
رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع: الصحابة والسوق ونداء الصلاة
في هذه المقالة · 7
رجال الآية 24:37 من القرآن مؤمنون لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله والصلاة والزكاة. وكانوا أهل تجارة، لا رجالا بلا تجارة؛ فقد جعل البخاري الآية في صدر باب عن التجارة، ومعها قول قتادة: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم التجارة عنه.
تعرض هذه الصفحة ما تقوله المصادر عن الصحابة والسوق عند وقت الصلاة: الآية، والآثار التي جمعها المفسرون فيها ومبلغها من الثبوت، وموقفين تذكرهما المصادر جذبتهم فيهما التجارة حقًّا. وكل حديث هنا قُرئ على موقع sunnah.com.
الآية في سورة النور
تتحدث الآية التي قبلها عن بيوت أمر الله تعالى أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، ويُسبَّح له فيها صباحًا ومساءً (24:36). ثم تصف من فيها:
رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَٰرُ
(النور 24:37)
وتذكر الآية التي بعدها ما ينتظرهم: أن يجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله (24:38).
وتأمل ما لا تقوله الآية. فهي لا تمدح رجالا لا شيء عندهم يبيعونه، بل تسمّي التجارة والبيع، وتمدح رجالا عجزت التجارة والبيع عن أن تلهيهم.
رجال السوق، لا رجال تركوا السوق
وهكذا فهمها البخاري. ففي كتاب البيوع من صحيحه يبدأ «باب التجارة في البر» بهذه الآية، ثم بقول قتادة بن دعامة، وهو من علماء البصرة من جيل التابعين بعد الصحابة:
«كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله.»
وكان الصحابة أهل سوق. ففي صحيح البخاري 2048، وهو صحيح على ما التزمه البخاري في كتابه، أن عبد الرحمن بن عوف لما قدم المدينة مهاجرًا سأل: «هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ»، فقيل له: «سُوقُ قَيْنُقَاعَ»، «فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ».
وينقل ابن كثير في تفسير الآية عن الصحابي أبي الدرداء، من رواية ابن أبي حاتم.
فقد ذكر أنه قام على هذا الدرج يبايع عليه ويربح كل يوم 300 دينار، ويشهد الصلاة في المسجد كل يوم، ثم قال: «أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله: ﴿رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾».
يوم أُغلقت الحوانيت
ويذكر ابن كثير أثرًا ثانيًا رواه عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت»، ثم تلا الآية.
ويذكر ابن كثير أن ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري روياه.
وكلمة في مبلغ هذين الأثرين: يورد ابن كثير قولي ابن عمر وأبي الدرداء بلا حكم. وأثر ابن عمر في إسناده عمرو بن دينار القهرماني، وقد ضعّفه ابن حجر في «تقريب التهذيب»، فإسناده ضعيف. ولم تجد هذه الصفحة حكمًا على إسناد قول أبي الدرداء.
فهما يُرويان هنا كما يرويهما المفسرون: أقوال صحابة في الآية، لا أحاديث عن النبي ﷺ، ولا يُقدَّمان على أنهما حديث صحيح.
وتفسير ابن كثير نفسه لا يقوم عليهما. فهو يقول إن الدنيا وزخرفها لا تشغل هؤلاء عن ذكر ربهم، وهم الذين يعلمون «أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم؛ لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باق».
يوم الجمعة الذي جاءت فيه العير
ولا تجعل المصادر الصحابة رجالا لم يضعفوا قط. قال جابر بن عبد الله: «بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً» (صحيح البخاري 936).
وفي صحيح مسلم 863 يذكر جابر نفسه أن النبي ﷺ «كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ»، وأنه «لَمْ يَبْقَ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً». وكلا الكتابين التزم صاحبه ألّا يُخرج فيه إلا الصحيح. فنزلت هذه الآية:
وَإِذَا رَأَوْا۟ تِجَٰرَةً أَوْ لَهْوًا ٱنفَضُّوٓا۟ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًۭا
(الجمعة 62:11)
ثم تمضي الآية: ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة. وقبلها بآيتين يأتي أمر الجمعة واضحًا: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُوا۟ ٱلْبَيْعَ﴾ (62:9).
فإذا قُضيت الصلاة ردّتهم الآية التالية إلى ابتغاء فضل الله، مع ذكره كثيرًا (62:10).
والروايات التي قُرئت هنا لا تسمّي من خرجوا إلى العير، وهذه الصفحة لا تخمّن. وما تُريه هو القرآن يربّي أناسًا حقيقيين، في مدينتهم، في يوم جمعة.
حين قال عمر إن السوق ألهاه
بل قالها عمر بن الخطاب عن نفسه. استأذن أبو موسى الأشعري على عمر فلم يُؤذن له، فرجع. فلما دُعي قال: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ». فطلب عمر البيّنة، فسأل أبو موسى الأنصار، فشهد له أصغرهم، أبو سعيد الخدري.
فقال عمر: «أَخَفِيَ عَلَىَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ» (صحيح البخاري 2062، وهو صحيح على ما التزمه البخاري في كتابه).
و«ألهاني» هو فعل الآية نفسه في ﴿لَّا تُلْهِيهِمْ﴾. ويقول الراوي في تفسيرها: «يَعْنِي الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ». وكان ذلك حديثًا لم يسمعه، لا صلاة فاتته. ومع ذلك سمّى عمر جذب السوق صراحة، وأخذ العلم الذي فاته عن رجل أصغر منه.
ما تطلبه منك الآية اليوم
لكل واحد منا سوقه: نوبة عمل، أو بريد إلكتروني، أو طاولة متجر، أو هاتف مليء بالعروض. والآية لا تطلب منك أن تتركه، بل أن تنتظر التجارة الصلاة إذا جاء وقتها.
خطوة لهذا الأسبوع: عند الأذان القادم، أكمل الجملة التي تكتبها لا المهمة كلها، ثم قم إلى الصلاة. في أثر ابن عمر أغلق أهل السوق حوانيتهم؛ وقد يكون حانوتك غطاء حاسوب. ودليلنا إلى الصلاة في وقتها في العمل أو المدرسة فيه الخطوات، وكلمات الأذان جديرة بأن تحفظها.
وإن كان الأذان لا يبلغك حيث تعمل، فتذكيرات الصلوات الخمس في «ديني» مجانية، وتخبرك بدخول وقت كل صلاة.
والجمعة أكثر أيام الأسبوع مطالبةً لمن يعمل: دليل صلاة الجمعة يشرح الصلاة التي تأمرك الآية 62:9 بترك البيع لها. وإن رأيت نفسك في قصة العير، فذلك سبب حسن لأن تبني المداومة صلاة بعد صلاة، كما ربّى القرآن من سمعوه.
الأسئلة الشائعة
من هم الرجال في الآية 24:37 من القرآن؟
تصف الآية مؤمنين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله والصلاة والزكاة. وقد جعلها البخاري في صدر باب عن التجارة. وينقل ابن كثير عن ابن عمر أنها نزلت في أهل السوق الذين أغلقوا حوانيتهم عند الإقامة، وهو أثر في إسناده راوٍ ضعّفه ابن حجر، فإسناده ضعيف.
هل تأمر الآية المسلمين بترك التجارة؟
لا. فهي تمدح رجالا لا تلهيهم التجارة، وقد وضعها البخاري في كتاب البيوع. وقال قتادة إنهم كانوا يبيعون ويشترون، ولكن حق الله كان يُقدَّم. والآية 62:10 تأمر المؤمنين، إذا قُضيت صلاة الجمعة، أن يخرجوا يبتغون من فضل الله.
هل قصة العير في خطبة الجمعة صحيحة؟
نعم. رواها جابر بن عبد الله في صحيح البخاري 936 وصحيح مسلم 863، وكلا الكتابين التزم صاحبه ألّا يُخرج فيه إلا الصحيح. وكان عدد من بقي مع النبي ﷺ 12 رجلا، ونزلت فيها الآية 62:11.
هل قال عمر حقًّا إن السوق ألهاه؟
نعم، في صحيح البخاري 2062، وهو صحيح على ما التزمه البخاري في كتابه. لما شهد أبو سعيد الخدري لأبي موسى بأمر النبي ﷺ، قال عمر: «أَخَفِيَ عَلَىَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ». وكان يتحدث عن حديث فاته، لا عن صلاة.
إذا وجدك الأذان في منتصف عمل، فإن حاجزًا صغيرًا يساعد التجارة على الانتظار. ميزة Salah Focus في «ديني برو» تقفل التطبيقات التي تختارها عند كل أذان حتى تصلّي.
تطبيق واحد بدل ثلاثة: مواقيت الصلاة، وقفل يُبقي التطبيقات التي تختارها مغلقة حتى تصلّي، ومنبه للفجر بلا غفوة، ومعها متتبّع يُريك تقدّمك. صنعه مسلمون للمسلمين: بلا إعلانات، ولا تُباع بياناتك أبدًا.
المصادر المذكورة في هذه المقالة
- صحيح البخاري 2048
- صحيح البخاري 936
- صحيح مسلم 863
- صحيح البخاري 2062

جاهز لرجوع هادئ؟
يساعدك «ديني» على الصلاة في وقتها، بمواقيت دقيقة وتذكيرات والقبلة مجانًا. ويقفل ديني برو بلطف التطبيقات المشتتة حتى تصلي، ويحفظ لك عدّادًا صادقًا. بلا إعلانات، بلا تسجيل، بلا بيع لبياناتك.
تابع القراءة
دليل عمليكيف تصلي في الوقت في العمل أو المدرسة: تنظيم يومك حول الصلوات الخمس
ضوابط إسلاميةما هو الأذان؟ كلمات النداء إلى الصلاة ومعناها وكيف تجيبه
ضوابط إسلاميةصلاة الجمعة: دليل عملي إلى صلاة الجمعة
النمو الروحيلماذا تهم المداومة على الصلاة: كيف تبني عادة صلاة يومية