انتقل إلى المحتوى
ضوابط إسلاميةقراءة 8 دقائقبقلم The Deeny Team

ما الذي يبطل صلاتك — وسجود السهو

كلنا يزل في الصلاة. ما الذي يبطل صلاتك حقا، وما لا يبطلها، وكيف يجبر سجود السهو زلة صادقة برفق.

مصباح زيت نحاسي صغير على قماش داكن مطوي، لهبه الذهبي المرتجف يثبت منتصبا بوهج ثان يحتضنه، على خلفية أفق كحلي عميق قبيل الفجر.

يكاد كل مصل، في لحظة ما، أن يفقد موضعه في الصلاة. تقوم إلى ركعة خامسة لا محل لها. أو تجلس وتسأل: أكانت هذه السجدة الثانية أم الأولى؟ أو تدرك في منتصف الصلاة أن ذهنك قد شرد بعيدا، حتى لا تكاد تذكر أنك قرأت الفاتحة أصلا. يحدث هذا لأحدث المصلين عهدا، كما يحدث للإمام الذي أم الناس أربعين عاما. النسيان ليس خللا في إيمانك. بل هو من طبيعة الإنسان.

والعجيب أن الإسلام قد سبق هذا تماما. فبدلا من أن يتركك للفزع أو للبدء من جديد كلما زل انتباهك، جعلت الشريعة سبيلا رفيقا للإصلاح: طريقة لرتق خرم صغير، من غير أن يتمزق الثوب كله. ومعرفتك بما يبطل صلاتك حقا (وهو أقل بكثير مما يخشاه أكثر الناس)، وما لا يبطلها، وكيف تصلح زلة صادقة — كل ذلك يرفع في هدوء قدرا كبيرا من القلق عن سجادة الصلاة.

النسيان جزء من طبيعة الإنسان. ومن رحمة الله أن جعل طريق العودة جزءا منها أيضا.

ويقوم هذا الباب كله على أصل يقرره القرآن صراحة:

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا

سورة البقرة 2:286

فالخطأ الصادق لا يؤاخذ به صاحبه. بل يقابل بتصحيح تستطيع أن تأتيه بنفسك، داخل الصلاة نفسها.

ما الذي يبطل صلاتك حقا

قائمة الأمور التي تبطل الصلاة حقا أقصر بكثير مما يوحي به القلق حولها. وعموما، تبطل صلاتك بما يلي:

  • الكلام العمد. التحدث عمدا في أمور الدنيا — ولو بكلمة أو كلمتين — يبطل الصلاة. فقد علّم النبي ﷺ أن كلام الناس المعتاد لا موضع له فيها. (أما الكلمة تفلت من النسيان المحض، فأكثر العلماء أرفق في شأنها. لكن الكلام المتعمد ينهي الصلاة.)
  • الأكل أو الشرب. ابتلاع الطعام أو الشراب عمدا، مهما قل المقدار، يبطل الصلاة.
  • انتقاض الوضوء. أي ناقض من نواقض الطهارة — خروج ريح، أو قضاء حاجة، أو زوال الوعي في نوم عميق — ينهي الصلاة. إذ لا تصح الصلاة من غير طهارة. (وفي دليلنا إلى الوضوء خطوة بخطوة بيان ما ينقضه وما لا ينقضه.)
  • انحراف الصدر عن القبلة. أن تحول بدنك كله حتى لا يبقى صدرك متوجها إلى جهة الصلاة، من غير عذر معتبر، يبطلها. (أما التفاتة الرأس اليسيرة للنظر فأمر آخر.)
  • الحركة الكثيرة المتوالية الأجنبية عن الصلاة. كثرة الحركة غير الضرورية التي لا صلة لها بالصلاة — بحيث يظن الناظر أنك قد قطعت صلاتك — تبطلها. والحد في ذلك متساهل عمدا: حركة من الكثرة والتوالي بحيث يتبين أنك لم تعد مصليا.
  • القهقهة. الضحك المسموع — بصوت، لا مجرد ابتسامة — يبطل الصلاة باتفاق العلماء. أما الابتسامة الصامتة فلا تبطلها.
  • ترك ركن من أركان الصلاة عمدا. ترك ركن عن علم، كالركوع أو السجود أو قراءة الفاتحة، يبطل الصلاة. والأهم أن هذا مما لا يجبر بسجود السهو.

وتأمل الخيط الذي يجري في هذه كلها تقريبا: القصد. فأكثر ما يبطل الصلاة إنما يبطلها لأنه فعل عمدا. والباب الذي يغلق في وجه المصلي الشارد الناسي أضيق بكثير مما يتوهمه الخوف. وإن كان شرود الذهن هو أكثر ما يقلقك، فتلك مسألة أخرى غير مسألة الصحة — وأرفق منها. وقد كتبنا عن حفظ التركيز في الصلاة في بابه المستقل.

أخطاء لا تبطلها

وهاهنا الراحة. فأكثر ما يخشى الناس أنه أفسد صلاتهم لم يفعل شيئا من ذلك. فصلاتك لا تبطل بما يلي:

  • الحركات اليسيرة غير الإرادية — تعديل الثوب، أو نقل الثقل من قدم إلى قدم، أو البلع، أو رمش العين، أو ميل خفيف. فهذه من طبيعة وقوف الإنسان ساكنا.
  • حك موضع يحكك. أن تمد يدك لتحك ثم تعيدها حركة يسيرة لا حرج فيها أبدا.
  • صعود طفل عليك. لقد صلى النبي ﷺ نفسه حاملا حفيدته الصغيرة أمامة، يضعها إذا ركع ويحملها إذا قام (صحيح البخاري؛ صحيح مسلم). فتعلق طفل صغير بثوبك لا يبطل صلاتك.
  • ترك عمل من السنن نسيانا — كترك دعاء مستحب، أو نسيان رفع اليدين في موضع يسن فيه، أو إسقاط عبارة من التسبيح. فهذه مستحبات لا واجبات. ونسيانها لا يضر بصحة الصلاة شيئا.
  • النسيان العابر — أن يفوتك العدد لحظة، أو يستغلق عليك السطر التالي. وهذا بالضبط ما شرع سجود السهو لأجله.

فالقاعدة العملية رفيقة: إن تركت سنة فلا شيء عليك تقضيه. وإن نسيت ما هو أهم من ذلك — عدد الركعات، أو جلوسا واجبا — فهنا يتدخل سجود السهو في هدوء.

سجود السهو: سجدتا النسيان

سجود السهو — أي سجود النسيان — هو سجدتان تزيدهما لتجبر بهما خطأ وقع في الصلاة. وهو ثابت من صميم السنة. ففي حادثة مشهورة، صلى النبي ﷺ بالناس فسلم — من غير قصد — بعد نقص في عدد الركعات. فنبّهه صحابي يعرف بذي اليدين إلى النقص. فلما تحقق منه، قام النبي ﷺ فأتم ما نقص، ثم سجد سجدتين للسهو (صحيح البخاري 482). والسنة نفسها في سجدتين للزلة محفوظة في صحيح مسلم (صحيح مسلم 573). وأن ينسى خير الخلق ﷺ نفسه في الصلاة — ثم يصلح ذلك ببساطة — رحمة تركت لسائرنا.

ويجمع العلماء المواضع التي يشرع فيها سجود السهو في ثلاثة:

  • الزيادة — أن تزيد شيئا: ركعة زائدة، أو ركوعا أو سجودا زائدا، أو قياما في موضع الجلوس.
  • النقص — أن تترك شيئا واجبا غير ركن. وأكثر ما يكون في التشهد الأول (الجلوس بعد الركعة الثانية)، تقوم عنه بحكم العادة.
  • الشك — أن تتردد حقا: أثلاثا صليت أم أربعا؟ أسجدت مرة أم مرتين؟

وفي كل واحدة من هذه الحالات العلاج واحد بسيط: سجدتان.

كيف تؤدي سجود السهو

والكيفية رفيقة مألوفة تماما. فإذا بلغت موضع التصحيح:

  1. من الجلوس الأخير، بعد التشهد، قل اللَّهُ أَكْبَرُ واهبط ساجدا كما في أي سجود — تضع الجبهة والأنف على الأرض قائلا سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى — ثم اجلس.
  2. قل اللَّهُ أَكْبَرُ مرة أخرى وأت بالسجدة الثانية على النحو نفسه.
  3. اجلس معتدلا ثم سلم السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ عن يمينك ثم عن يسارك.

هذا هو العمل كله: سجدتان، ثم السلام. ولا يشترط لصحتهما قراءة زائدة.

والمسألة الوحيدة التي تربك الناس عادة هي متى تؤديه — أقبل السلام أم بعده. وهنا يختلف الفقهاء اختلافا حقيقيا. وكل يتبع روايات صحيحة في صفة فعل النبي ﷺ ذلك في مواطن مختلفة:

  • يرى الشافعية أن سجود السهو يكون عموما قبل السلام. فبعد التشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ تسجد سجدتين ثم تسلم.
  • ويرى الحنفية أنه يكون بعد السلام. فتتم الصلاة، وتسلم عن يمينك، ثم تأتي بالسجدتين، يتبعهما التشهد والسلام من جديد.
  • ويسلك المالكية مسلكا وسطا مربوطا بنوع الخطأ: فسجود النقص يكون قبل السلام، وسجود الزيادة يكون بعده.

وليس واحد من هذه الأقوال «خطأ». فكل منها يستند إلى شيء فعله النبي ﷺ حقا. فإن كنت تتبع مذهبا بعينه أو تصلي خلف إمام في بلدك، فخذ بالتوقيت الذي عليه جماعتك واطمئن. وحيث لا تدري أيها تختار، فبإمكان عالم ثقة في بلدك أن يحسم لك الأمر بحسب حالك. والأهم من ذلك كله أن تؤدى السجدتان.

الشك في الصلاة: ابن على اليقين

ويستحق الشك وقفة خاصة، لأنه أكثر المزالق شيوعا — تلك الحيرة الغائرة في أثناء الصلاة: أهذه الركعة الثالثة أم الرابعة؟ وقد وضع الإسلام لها قاعدة عملية بديعة. قال النبي ﷺ: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى — أثلاثا أم أربعا — فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم (صحيح مسلم 571).

واليقين هنا هو العدد الأقل الأوثق. فإن ترددت بين الثلاث والأربع، جعلتها ثلاثا — لأن الثلاث هي ما تيقنت أنك صليته — فأكملت الركعة الزائدة، ثم سجدت سجدتي السهو. وبهذا لا تخاطر قط بأن تكون صليت أقل مما يجب. فإن تبين أنك كنت في الحقيقة قد صليت أربعا، جبرت السجدتان الزائدتان الزيادة في هدوء. والقاعدة تتجاوز الصلاة: ففي العبادة تعمل على ما تيقنت، وتسقط مجرد الشك.

وهناك صورة أصغر من هذا الشك في يومياتنا كذلك — لا «كم ركعة صليت»، بل «أصليت العصر فعلا، أم أنني نويت فحسب؟» ويحتفظ Deeny بسجل صادق على جهازك حتى يفقد ذلك الشك القلق — «مهلا، أصليت تلك حقا؟» — قبضته عليك. فتراه ببساطة، وتصلي بقلب أهدأ.

متى يجب أن تعيد الصلاة من أصلها

سجود السهو رحيب كريم، لكنه ليس رقعة تصلح لكل شيء. فبعض الأمور تبطل الصلاة من رأس، ولا سجود يعيدها. وحين يقع ذلك، فالجواب الصادق البسيط أن تبدأ الصلاة من جديد من أولها.

وأوضح مثال على ذلك انتقاض الوضوء. فإن خرجت منك ريح أو انتقض وضوؤك بأي وجه في أثناء الصلاة، فقد انتهت الصلاة. ولا تستطيع أن تسجد لتجاوز شرط طهارة قد فقد. فتنسحب في هدوء، وتجدد وضوءك، وتصلي من جديد من أولها. وكذلك ترك ركن عمدا — كإسقاط ركوع أو سجود عن علم، أو ترك ركعة كاملة لا تقضيها أبدا — ليس مما يجبره سجدتان. بل تعاد تلك الصلاة. وإن التبس عليك أي الأفعال ركن وأيها سنة، فإن شرحنا للصلاة خطوة بخطوة يعرضها مرتبة على وجهها.

أما إذا كان وقت الصلاة قد خرج أصلا، لا أن تكون الصلاة معيبة فحسب، فذلك باب آخر بالكلية: باب القضاء لا باب الجبر. وانظر دليلنا في قضاء الصلوات الفائتة.

والحد جدير بأن تحتفظ به: سجود السهو يصلح زلة صادقة داخل صلاة صحيحة في أصلها. لكنه لا ينقذ صلاة ذهب أساسها حقا — طهارة، أو ركن حقيقي ترك عن علم. وحتى حينئذ، فإعادة الصلاة ليست مصيبة. إنما هي دقائق هادئة أخر بين يدي ربك، تقدمها نقية.

الأسئلة الشائعة

هل يبطل الحك أو الحركة اليسيرة صلاتي؟

لا. فالحركات اليسيرة أو غير الإرادية أو الطفيفة — حك موضع، أو تعديل الثوب، أو نقل الثقل من قدم إلى قدم، أو البلع — لا تؤثر في صحة صلاتك. وإنما يحذر العلماء من الحركة الكثيرة المتوالية التي لا صلة لها بالصلاة، تلك التي تجعل الناظر يظن أنك قطعت صلاتك بالكلية. أما حكة عابرة فليست قريبة من ذلك الحد أبدا. فصل بقلب مطمئن.

ما سجود السهو ببساطة؟

هو سجدتان تزيدهما لتصلح بهما خطأ في صلاتك — «سجدتا النسيان». تؤديه كأي سجود آخر، قائلا سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى، وتجبران زلة صادقة كنسيان جلوس، أو زيادة حركة، أو التباس العدد عليك. وقد فعل النبي ﷺ نفسه هذا حين نسي في الصلاة (صحيح البخاري 482). فهو علاج معتاد مودع في الصلاة. لا علامة أبدا على أن فيك خطبا.

أسجد قبل السلام أم بعده؟

يختلف الفقهاء، وكل يتبع سنة صحيحة عن النبي ﷺ. فالشافعية يجعلون السجدتين قبل السلام عموما. والحنفية بعده. والمالكية قبله في النقص وبعده في الزيادة. فخذ بقول مذهبك أو إمام بلدك. وإن لم تدر أيها تختار، فاسأل عالما ثقة في بلدك. والأمر الجوهري ببساطة أن تؤدى السجدتان.

ماذا إن لم أتيقن كم ركعة صليت؟

ابن على اليقين. اطرح الشك وافترض العدد الأقل الأوثق. فإن ترددت بين الثلاث والأربع، فاجعلها ثلاثا. ثم أتم الصلاة واسجد سجدتي السهو قبل السلام (صحيح مسلم 571). وبهذا لا تنقص أبدا. وتجبر السجدتان الزائدتان أي زيادة إن كنت في الحقيقة قد صليت أكثر.

إن انتقض وضوئي في أثناء الصلاة، أيصلحه سجود السهو؟

لا. فسجود السهو يصلح الزلات الصادقة داخل صلاة صحيحة في أصلها. ولا يعيد شرطا مفقودا كالطهارة. فإن انتقض وضوؤك في أثناء الصلاة، فقد انتهت الصلاة. تجدد وضوءك وتصلي من جديد من أولها. ولا لوم في ذلك ولا حرج. إنما هو الإيقاع المعتاد للطهارة والصلاة.


فقف على سجادة الصلاة خفيف القلب. ستفقد عددك أحيانا، وتجلس حيث كان ينبغي أن تقوم، وتزيد ركعة بحكم العادة. ولكل زلة من هذه علاج رفيق مهيأ ينتظرها. فالذي تتوجه إليه يعلم أنك بشر، ولا ينسى عنك شيئا، وقد جعل طريق العودة قصيرا. صل. وازلل إن زللت. واسجد لتصلح. ثم امض. لا ذنب، بل عودة لطيفة فحسب.

الخطوات

  1. أتم الجلوس الأخير والتشهد. اجلس الجلوس الأخير واقرأ التشهد.
  2. اسجد سجدتي السهو. أت بسجدتين زائدتين (سجود السهو)، كما في السجود المعتاد.
  3. اجلس ثم سلم. اجلس، ثم سلم للختام.
الصلاةفقه الصلاةسجود السهوأخطاء الصلاةالعبادة

تابع القراءة