ركعتا سنة الفجر: فضلهما ووقتهما وقضاؤهما
لم يكن النبي ﷺ يدعهما قط، ولا في السفر. ما هما الركعتان قبل الفجر، وماذا كان يقرأ فيهما، وكيف عالج كل مذهب قضاءهما.

ركعتا سنة الفجر ركعتان خفيفتان تُصليان بعد دخول الفجر الصادق وقبل فريضة الفجر. لا تستغرقان أكثر من ثلاث دقائق تقريبا. ومن بين صلوات التطوع كلها في اليوم، تنفرد هاتان الركعتان بأشد وصف جاء في السنة:
«ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.»
— صحيح مسلم 725 (عائشة رضي الله عنها)
وليس هذا كلاما عاما في صلاة التطوع. بل هو في هاتين الركعتين بعينهما، ثلاث دقائق من صلاة تُوزن بكل ما تحويه الدنيا.
منزلتهما
من بين الرواتب، وهي السنن المنتظمة الملحقة بالصلوات الخمس، الركعتان قبل الفجر أشدها تأكيدا. وجمهور العلماء يعدونهما سنة مؤكدة. أي سنة ثابتة حافظ عليها النبي ﷺ باستمرار. وللمالكية فيهما مصطلحهم الخاص، وهو الرغيبة. يميزونهما به عن التطوع المطلق من غير أن يلحقوهما بالفريضة.
والدليل العملي على هذا التأكيد هو شدة المحافظة عليهما ببساطة. فلم تُتركا في الأسفار. بل صُليتا، كما سيأتي، في الصباح الذي نام فيه النبي ﷺ وأصحابه حتى طلعت الشمس.
ما يُقرأ فيهما
وردت صفتان صحيحتان. كلتاهما في صحيح مسلم:
الأشهر عملا، سورة الكافرون (109) في الركعة الأولى وسورة الإخلاص (112) في الثانية، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه (صحيح مسلم 726). وهذه هي التي يعرفها أكثر الناس. ويحسن التنبه إلى الراوي: فهي رواية أبي هريرة لا رواية عائشة رضي الله عنها. وكثيرا ما يقع الخلط بينهما.
والثانية، آيتان لا سورتان كاملتان. ففي صحيح مسلم 727 قراءة قوله تعالى في البقرة 2:136 في الركعة الأولى. يتبعها في رواية 3:52 وفي أخرى 3:64. وليستا روايتين متعارضتين. فكلتاهما عند مسلم.
والجامع بينهما التخفيف. فهما ركعتان مقصودتان بالخفة، قراءة قصيرة، بغير عجلة وبغير إطالة. فليس المراد بناء صلاة طويلة قبل الفجر. بل أن تبلغ الفريضة وقد أقبلت على الله قبلها.
وصلاتهما في البيت هي العمل المنقول، قبل الخروج إلى صلاة الجماعة.
وقتهما
يدخل وقتهما بالفجر الصادق، وهي اللحظة نفسها التي يدخل بها وقت فريضة الفجر، ويخرج بأداء الفريضة. ولا تصحان قبل دخول الفجر. فذلك قيام ليل لا سنة فجر.
وإن كنت غير متأكد من موعد دخول وقت الفجر عندك، ولماذا قد يختلف تطبيقان في ذلك، فانظر متى يبدأ وقت الفجر ومتى ينتهي.
إن فاتتاك
هنا يفترق المذاهب افتراقا حقيقيا. وهنا يشيع كثير من الكلام الواثق الخاطئ. ويحسن بك أن تعرف أي قول تتبع.
ومبدأ المسألة حديث نومه ﷺ وأصحابه عن الصلاة حتى طلعت الشمس. ففي أتم الروايات أذّن بلال رضي الله عنه، «ثم صلّى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلّى الغداة» (صحيح مسلم 681). وقد حمل النووي هاتين الركعتين على سنة الفجر. وعليه العمل عند عامة أهل العلم. وإن كان يحسن أن تعلم أن هذا فهمه هو، لا نص الحديث نفسه. وأن الإمام مالكا نازع في دلالة القصة على هذا الترتيب أصلا.
الحنفية. لا تُقضى إلا مع الفريضة، وقبل الزوال فحسب. فإن فاتت السنة وحدها، وقد صُليت الفريضة في وقتها، فلا تُقضى البتة. (ابن عابدين، رد المحتار.) وثمة خلاف داخلي مسمّى هنا: فأبو حنيفة وأبو يوسف على أنها لا تُقضى إذا فاتت وحدها. بينما ذهب محمد بن الحسن الشيباني إلى أنها تُقضى قبل الزوال.
الشافعية. أوسع المذاهب في هذا. تُقضى في أي وقت من غير كراهة.
المالكية. لا تُقضى إلا بعد طلوع الشمس، حين يعود التطوع مباحا، وإلى الزوال فقط. وصلاتها قبل طلوع الشمس ليست العمل الصحيح عندهم. ومن اللافت أنها التطوع الفائت الوحيد الذي يقضيه المالكية أصلا.
الحنابلة. تُقضى بعد الفريضة. وكان الإمام أحمد يختار تأخيرها إلى ما بعد طلوع الشمس، في وقت الضحى.
ووراء هذه الأقوال روايتان. وكلتاهما تستحق توصيفا أمينا:
- أن قيس بن عمرو صلّى الركعتين بعد فريضة الفجر فلم ينكر عليه النبي ﷺ، رواه أبو داود (1267) والترمذي (422) وابن ماجه (1154)، وصححه الألباني. ⚠️ وقد نص الترمذي قديما على أن في إسناده إرسالا (انقطاعا). وتصحيح الألباني مبني على شواهد تعضده.
- «فليصلهما بعد أن تطلع الشمس»، الترمذي 423. ⚠️ وقد سماه الترمذي نفسه غريبا (تفرد به إسناد واحد). مع أن الألباني صححه. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما. وهذا هو الدليل الأول عند المالكية.
وإن ضاق بك الوقت، فالمذاهب كلها متفقة على الأولوية: صل فريضة الفجر. فالسنة مؤكدة لا واجبة. والفرض هو الذي لا يجوز أن يضيع.
ولمعرفة موضع هاتين الركعتين بين سائر تطوعات اليوم، انظر دليلنا لصلوات السنة والنافلة. ولما وعدت به السنة صلاة الفجر نفسها، انظر فضائل صلاة الفجر.
الأسئلة الشائعة
كم ركعة سنة الفجر؟
ركعتان. تُصليان بعد دخول الفجر الصادق وقبل فريضة الفجر. وهما أشد السنن الرواتب تأكيدا. وقد وُصفتا بأنهما خير من الدنيا وما فيها (صحيح مسلم 725). وهما مقصودتان بالتخفيف.
ماذا أقرأ في الركعتين قبل الفجر؟
الأشهر عملا سورة الكافرون في الركعة الأولى وسورة الإخلاص في الثانية (صحيح مسلم 726). وثمة رواية صحيحة ثانية فيها البقرة 2:136 في الأولى، يتبعها 3:52 أو 3:64 في الثانية (صحيح مسلم 727). وكلتاهما ثابتة. فأيتهما فعلت أجزأك.
هل أستطيع صلاة سنة الفجر بعد الفريضة؟
ذلك بحسب مذهبك. فالشافعية يجيزونها في أي وقت. والحنابلة يجيزونها بعد الفريضة، مع اختيار الإمام أحمد تأخيرها إلى ما بعد طلوع الشمس. والمالكية لا يجيزونها إلا بعد طلوع الشمس وقبل الزوال. والحنفية لا يقضونها إلا مع الفريضة قبل الزوال. ولا يقضونها البتة إن فاتت السنة وحدها.
هل سنة الفجر واجبة؟
لا. هي سنة مؤكدة، سنة ثابتة شديدة التأكيد حافظ عليها النبي ﷺ باستمرار، حتى في السفر. ويسميها المالكية الرغيبة. وتركها ليس إثما. لكنه فوت حقيقي بالنظر إلى ما وُصفت به. وإن ضاق الوقت فالفريضة مقدمة دائما.
متى يبدأ وقت سنة الفجر؟
بالفجر الصادق، وهي اللحظة نفسها التي يدخل بها وقت الفجر، وينتهي بأدائك الفريضة. وكل ما صُلي قبل دخول الفجر فهو قيام ليل لا سنة فجر.
ركعتان خفيفتان، يسهل إغفالهما، وُصفتا بما لم يوصف به تطوع آخر. فإن كنت تنهض للفجر أصلا، فهما لا تكلفانك إلا ثلاث دقائق زائدة. وبنص الحديث، ليس في الدنيا ما يعدلهما.


