انتقل إلى المحتوى
ضوابط إسلاميةقراءة 8 دقائقبقلم The Deeny Team

فضل صلاة الفجر: ما صح وما لم يصح

في صلاة الفجر من أثقل ما وعد به في السنة. وهذه الفضائل بدرجاتها، ومعها ما يتناقل في الفجر من روايات ضعيفة أو موضوعة.

ميزان نحاسي قديم على قماش صلاة داكن مطوي: كرة كحلية تتخللها عروق ذهبية خافتة تستقر في الكفة المرتفعة، بينما يرجح الكفة الأخرى إلى أسفل مصباحان زيتيان صغيران متقدان، وينسكب ضوء ذهبي دافئ تحتهما.

فضائل صلاة الفجر من أثقل ما وعد به في السنة، ذمة الله سبحانه، ودخول الجنة، وأجر قيام الليل كله. وهي كذلك، مع الأسف، من أكثر ما ينقل بتساهل. حتى صارت الروايات الضعيفة بل الموضوعة تجري إلى جانب الصحيحة في القائمة الواحدة.

ولذلك يصنع هذا الدليل ما لا تصنعه القوائم المعتادة: يذكر كل رواية بمصدرها ورقمها ودرجتها. ثم يقول لك صريحا أي المشهور منها لا يثبت. فالثابت وحده يكفي وزيادة. ولم يكن قط محتاجا إلى عون.

لماذا لهذه الصلاة هذا الثقل

الفجر وحده من بين الصلوات الخمس هو الذي خص في القرآن بالذكر على هذا النحو:

«كان مشهودا»، أي مشهودا تحضره الملائكة. وقد ربط المفسرون هذا الوصف بملائكة الليل والنهار الذين يجتمعون في تلك الساعة. (وكثيرا ما ترى رقم حديث بعينه مقرونا بهذا الربط. والصلة في كتب التفسير مقررة معروفة. لكننا آثرنا ترك الرقم على أن نثبت رقما لم نتحقق منه.)

وثمة معنى أبسط من ذلك كذلك. فالفجر أغلى الصلوات ثمنا. يأتي وأنت في أشد دفئك، وأقل رغبتك، وأبعدك عن أعين الناس. ولهذا بعينه صار ميزانا للإخلاص على وجه لا تبلغه الصلوات الأربع الأخرى.

الفضائل الثابتة

تدخل في ذمة الله

«من صلّى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء.»

— صحيح مسلم ٦٥٧ (عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه)

وتأمل اللفظ بدقة. فالصيغة المنتشرة تزيد فيها «في جماعة». وهذا القيد ليس في لفظ مسلم. إنما جاء من طريق آخر. والوعد كما رواه مسلم متعلق بصلاة الصبح.

البردان يدخلان الجنة

«من صلّى البردين دخل الجنة.»

— صحيح البخاري ٥٧٤ وصحيح مسلم ٦٣٥ (عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه)، متفق عليه

والبردان هما الفجر والعصر، الصلاتان الواقعتان في طرفي النهار الباردين. وقد صرح مسلم بهذا التعيين في ترجمة الباب عنده. وكثيرا ما يعزى هذا الحديث إلى البخاري وحده. وهو في الصحيحين معا.

صلاة الفجر في جماعة كقيام ليلة كاملة

«من صلّى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلّى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كله.»

— صحيح مسلم ٦٥٦ (عن عثمان بن عفان رضي الله عنه)

⚠️ وهذا أكثر أحاديث الباب وقوعا في الخطأ عند العزو. فالبخاري لم يخرجه. وستراه يوصف على الدوام بأنه متفق عليه. وإنما هو من أفراد مسلم. والأجر ها هنا مقيد صراحة بالصلاة في جماعة.

ركعتا الفجر خير من الدنيا

«ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.»

— صحيح مسلم ٧٢٥ (عن عائشة رضي الله عنها)

وهو كذلك من أفراد مسلم، ليس متفقا عليه. والمقصود به سنة الفجر القصيرة قبل الفريضة. ركعتان لا تستغرقان أكثر من ثلاث دقائق، توزنان بكل ما في الدنيا.

ثابتة، لكن غير متفق عليها

هاتان روايتان صحيحتا الأصل يحسن أن تعرفا. ويحسن أن تنقلا بعناية أكثر مما تنقلان به عادة.

أجر حجة وعمرة. من صلّى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلّى ركعتين، كان له أجر حجة وعمرة تامة. أخرجه الترمذي (٥٨٦) عن أنس رضي الله عنه، وقال: حسن غريب. وحسنه الألباني.

وثمة قيدان يسقطان عادة عند تناقل هذا الحديث: أنه ليس في البخاري ولا مسلم، وإن كان يتداول كأنه متفق عليه. وأن كل جملة فيه شرط: الجماعة، والمكث حتى الشروق، ثم الركعتان.

الأربعون يوما. أما رواية من صلّى في جماعة أربعين يوما فكتبت له براءة من النار وبراءة من النفاق، فقد أخرجها الترمذي (٢٤١) عن أنس رضي الله عنه. ودرجتها مختلف فيها اختلافا حقيقيا. فقد ضعفها الترمذي نفسه وجماعة من المتقدمين لانقطاع في إسنادها. وحسنها الألباني.

وثمة إشكال ثان في طريقة استعمالها. فالرواية إنما جاءت في الصلوات الخمس كلها في جماعة، لا في الفجر وحده. و«تحدي الأربعين يوما للفجر» ينزلها على صلاة واحدة. وليس هذا نص الحديث.

شائعة، لكنها ضعيفة

إن لم تخرج من هذه الصفحة إلا بشيء واحد، فليكن هذا الباب.

«نوم الغداة يمنع الرزق». ينقل على نطاق واسع. وكثيرا ما ينسب إلى النبي ﷺ. وقد رواه أبو نعيم في الحلية. ودرجته ساقطة. ضعفه الألباني ضعيفا جدا. وحكم عليه بأنه موضوع. فلا تنسبه إلى النبي ﷺ. نعم، ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم البقاء يقظين بعد الفجر حتى تطلع الشمس. وهذا أمر حسن يرغب فيه لذاته. لكنه ليس هذا.

رواية «خمس عشرة عقوبة». تلك التي تسرد عقوبات تارك الصلاة، ومنها حية تلدغ من ترك الفجر، موضوعة. نص على ذلك الذهبي وابن حجر. وهي تنتشر انتشارا واسعا في هذا الباب بالذات على الشابكة. ولا ينبغي أن تنقل البتة.

«بال الشيطان في أذنيه». وهذا الحديث صحيح، صحيح البخاري ١١٤٤، لكنه يساء استعماله باستمرار. فقد اختلف الشراح: أفاتت الرجل صلاة الفجر أم قيام الليل؟ واختلفوا كذلك أهو على ظاهره أم هو مثل لسد الشيطان أذنيه. وإنما قيل في رجل نام حتى أصبح ولم يصل. وليس سوطا يضرب به من نام مرة عن صلاته.

ما تصنعه بهذا كله

ثمة طريقة في قراءة قوائم الفضائل تضر في صمت: أن تقرأ كلوحة نتائج. فيصير كل صباح تعجز فيه خسارة محددة معدودة.

وليس هكذا كان النبي ﷺ يستعملها. فهذه النصوص إنما جاءت ترغيبا يبذل لقوم يجاهدون أنفسهم، لا محاسبة تقام عليهم. فالسنة التي وعدت المحافظ على الفجر بذمة الله هي نفسها التي تقول صريحا إنه ليس في النوم تفريط (صحيح مسلم ٦٨١). وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل (صحيح البخاري ٦٤٦٤، صحيح مسلم ٧٨٣).

فخذ بهما جميعا. فأجر الفجر عظيم حقا. وفوات صباح واحد ليس مصيبة حقا. والأمران من مشكاة واحدة. وأن تصدق الأول وحده هو الطريق الذي ينقطع فيه الناس.

فإن كنت قد استيقظت متأخرا اليوم، فابدأ من هنا. وإن صار الأمر عادة، فالعلاج في الليلة السابقة. وانظر كيف تستيقظ لصلاة الفجر. وإن أردت أن تنتفع بتلك الساعة بين الفجر والشروق، ففي مجموعتنا من الأذكار بعد الصلاة مبتدأ حسن.

الأسئلة الشائعة

ما ثواب صلاة الفجر؟

وردت في الأحاديث الصحيحة أمور عدة: أن من صلّى الفجر فهو في ذمة الله (صحيح مسلم ٦٥٧). وأن من صلّى البردين، الفجر والعصر، دخل الجنة (صحيح البخاري ٥٧٤، صحيح مسلم ٦٣٥). وأن من صلّى الفجر في جماعة فكأنما صلّى الليل كله (صحيح مسلم ٦٥٦). وأما ركعتا السنة قبلها فقد وصفتا بأنهما خير من الدنيا وما فيها (صحيح مسلم ٧٢٥).

هل صلاة الفجر في جماعة تعدل قيام الليل كله؟

نعم. وقد أخرجه مسلم (٦٥٦) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه. وثمة تصحيح جدير بالتنبيه: هذا الحديث كثيرا ما يوصف بأنه متفق عليه. والبخاري لم يخرجه. بل هو من أفراد مسلم. والأجر بلفظه مقيد بالصلاة في جماعة على وجه التحديد.

هل النوم بعد الفجر يمنع الرزق حقا؟

ليس في ذلك حديث نبوي ثابت. فالرواية التي تنقل في هذا الباب ضعيفة جدا. وحكم عليها بالوضع. فلا يجوز نسبتها إلى النبي ﷺ. أما البقاء يقظا بين الفجر والشروق للذكر وقراءة القرآن فعمل فاضل حقا ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم. لكنه قائم بفضله في نفسه، لا بتلك الرواية.

هل تحدي الأربعين يوما للفجر مبني على حديث صحيح؟

في الجملة، مع قيدين. فالرواية (سنن الترمذي ٢٤١) درجتها مختلف فيها اختلافا حقيقيا. ضعفها الترمذي نفسه وجماعة من المتقدمين. وحسنها الألباني. والأهم من ذلك أنها إنما تتكلم عن الصلوات الخمس كلها في جماعة أربعين يوما، لا عن الفجر وحده. فأربعون يوما من الفجر هدف شخصي حسن. غير أنه ليس ما يقوله ذلك الحديث.

هل تنال المرأة الأجر نفسه في الفجر؟

فضائل الفجر العامة ليست مقيدة بذكر ولا أنثى. أما الأجور التي جاء لفظها معلقا بـالجماعة، كحديث مسلم ٦٥٦، فهي مقيدة بهذا الشرط في نصها. والمذاهب الأربعة متفقة على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها. فالجواب إذا أن المرأة ليست مستثناة من فضل الفجر بحال. وإنما المقصود ألا توسع الألفاظ المقيدة بالجماعة في صمت إلى ما وراء ما نطقت به.


فضائل الفجر الثابتة كافية وحدها وزيادة. لا تحتاج إلى أن تسند إليها روايات ضعيفة. ولم تقصد قط لتكون سجلا تحصي به ما فاتك. فخذها كما جاءت. ترغيبا في صلاة شاقة حقا، من سنة تقول لك كذلك إن النوم ليس بذنب.

الفجرالفضائلالحديثفقه الصلاةالهمة

تابع القراءة