انتقل إلى المحتوى
دليل عمليقراءة 8 دقائقبقلم The Deeny Team

التهجد: كيف ومتى تصلّي قيام الليل

ثمّة حلاوة خاصة للصلاة والعالم نائم، إليك كيف ومتى تصلّي التهجد، وكيف تستيقظ له برفق.

مصباح زيت نحاسي صغير وحيد يتقد بلهب ذهبي دافئ على عتبة نافذة حجرية داكنة في عمق الليل، ونثار واسع من نجوم ذهبية خافتة عبر سماء كحلية غامقة من خلفه، وهلال ذهبي رفيع منخفض قرب الأفق، وضوء المصباح يتجمع برفق على العتبة.

ثمّة ساعة، في مكان ما من الظلام، يخلد فيها البيت إلى سكون تام. تكف الهواتف عن التوهج. ويهدأ الشارع في الخارج. وينام كل من تحب. فإذا استيقظت في تلك الساعة ونهضت لتصلّي، اكتشفت شيئا قلما يمنحه النهار: صلاة لا ناظر لها البتة. لا أحد يراقب. ولا أحد ينتظر. ولا شيء مستحق في تلك اللحظة لأحد سوى الله سبحانه وتعالى. هي أنت وحدك، وبضع ركعات، والذي هو يقظان والعالم نائم.

هذا هو التهجد، صلاة الليل. ويُسمى أيضا قيام الليل. وهو ليس فرضا. وهذا جزء من حلاوته: فكل ركعة منه عطية تهديها طوعا. لا يطلبها منك أحد. يدور هذا الدليل حول كيف تصلّيه ومتى. وما أبرك أجزاء الليل. وكم ركعة تحتاج إليها حقا. ولا يقل عن ذلك أهمية: كيف ترتب حياتك برفق حتى تستيقظ له دون أن يكون عقوبة تثقل عليك.

صلاة الليل ليست اختبارا لمدى ما تبلغه من إبهار. هي دعوة لأن تخلو بربك والعالم نائم. وركعتان صادقتان تلبيان هذه الدعوة بتمامها كما تلبيها عشرون.

شرف الليل الهادئ

يخص القرآن صلاة الليل بذكر قل أن يخص به عملا تطوعيا. مخاطبا النبي ﷺ، يقول الله سبحانه وتعالى: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا» (سورة الإسراء 17:79). فلفظ المقام المحمود يشير إلى منزلة شرف. والآية تربطه ربطا مباشرا بالنهوض في الليل للصلاة. فصلاة الليل، كما توحي الآية، ترفع المرء إلى حيث لا يبلغ النهار.

وتردد السنة هذا المعنى. فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ أخبر أن أفضل الصلاة بعد الفريضة المكتوبة صلاة الليل. تأمل هذا الترتيب لحظة: بعد الصلوات الخمس، وهي قلب عبادة المسلم، يأتي في الفضل مباشرة لا سنة مشهورة من سنن النهار، بل هذه الركعات الهادئة التي تُؤدى حين لا يرى أحد. صلاة الليل هي حيث أقام كثير من الصالحين قبلنا أخص قيامهم وأصدقه بين يدي الله سبحانه وتعالى.

لست محتاجا إلى أن تحمل تراث المتهجدين كله على كتفيك لتبدأ. يكفيك أن تدرك أن ما تمد يدك إليه نفيس حقا. ثم تمد يدك إلى قطعة صغيرة منه يمكنك الحفاظ عليها.

متى تصلّي التهجد

ينفتح وقت صلاة الليل بعد أن تصلّي العشاء. وينغلق بدخول الفجر. وفي أي موضع من هذا الامتداد تكون صلاة ليلك صحيحة مأجورا عليها. ليس ثمّة وقت واحد «صحيح» على الساعة. بل هو نافذة زمنية. وكل قيام صادق ضمنها معدود.

على أن الليل ليس على درجة واحدة في الفضل. فأبرك أجزائه الثلث الأخير، الساعات التي تسبق الفجر. والسبب من أقرب ما ورد في السنة إلى القلب. فقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي ﷺ أخبر أن ربنا تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟»، نزولا يليق بجلاله. فالنهوض في ذلك الثلث الأخير قيام وسؤال في الساعة التي يوصف الباب فيها بأنه أوسع ما يكون انفتاحا.

وإليك صورة ذلك كله عمليا، دون ضغط:

  • كل وقت بعد العشاء صحيح. فإن علمت أنك لن تستيقظ لاحقا، صلّيت بضع ركعات قبل النوم وكُتبت لك.
  • الثلث الأخير أفضل، لكنه ليس شرطا. فإن استطعت أن تستيقظ له، فحسن جميل. وإن أبى بدنك ذلك، فأول الليل لا يزال معدودا.
  • لست محتاجا إلى أن تحسبه بالدقيقة. تقريبا، قسّم ما بين العشاء والفجر إلى ثلاثة. فالقسم الأخير قبل الفجر هو المرغوب. وأداة مواقيت دقيقة تظهر لك متى يدخل الفجر فتعرف أين يقع ذلك الثلث الأخير.

ولفظ التهجد نفسه يحمل معنى النهوض بعد النوم. ولذلك يقصد كثيرون أن يناموا أولا ثم يستيقظوا له. لكن لا تدع هذه التفصيلة تصير حاجزا. فأجر القيام في الليل لا يُحرم منه من لا يثق ببساطة من قدرته على الاستيقاظ.

كم ركعة التهجد، وكيف تصلّيه

الكيفية أرفق مما يتوقعه أكثر الناس. ليس ثمّة طريقة جديدة خاصة للصلاة عليك أن تتعلمها. فصلاة الليل صلاة معتادة. تُؤدى على النحو الذي تعرفه فعلا. بالقراءة نفسها والركوع والسجود. وكل ما يميزها إنما هو الإيقاع والعدد.

تُصلّى مثنى مثنى. فقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال إن صلاة الليل مثنى مثنى. أي تصلّي ركعتين، وتسلّم، ثم إن شئت قمت لركعتين أخريين. وتمضي مثنى مثنى ما دام قلبك وبدنك يطيقان.

ليس لها حد أعلى واجب. فلست مكلفا ببلوغ عدد بعينه. ولست مقصرا إن صلّيت قليلا. وقد وصفت عائشة رضي الله عنها صلاة النبي ﷺ الليلية المعتادة بأنها لم تكن تزيد على إحدى عشرة ركعة، في رمضان وغيره (صحيح البخاري، صحيح مسلم). وهو نمط جميل يُتطلع إليه مع الوقت. لكنه هديه الراتب. لا حد ملزم مفروض عليك.

وتُختم عادة بالوتر. فصلاة الليل تُقفل عادة بـالوتر، عدد فرد من الركعات، وكثيرا ما يكون ركعة واحدة، يُصلّى آخر صلاة ليلك. والحديث نفسه الذي يعطينا «مثنى مثنى» يمضي أن من خشي قرب الصبح صلّى ركعة واحدة توتر له ما قد صلّى. فإن كنت تصلّي الوتر بعد العشاء ثم استيقظت للتهجد، فلا تعيد الوتر. يثبت وترك السابق. وتصلّي صلاة ليلك مثنى مثنى لا غير.

طريقة بسيطة لتبدأ

إن لم تصل التهجد قط، فابدأ من هنا. الليلة أو متى استيقظت مرة تالية:

  1. اعقد نيتك في القلب بهدوء، لا حاجة إلى صيغة منطوقة. تنوي صلاة الليل لوجه الله سبحانه وتعالى.
  2. صل ركعتين تماما كما تصلّي أي صلاة أخرى.
  3. سلّم. فإن رغب قلبك في المزيد، قم لركعتين أخريين. وإن لم يرغب، فتوقف، دون شعور بالذنب.
  4. فإن لم تكن صلّيت الوتر تلك الليلة، فاختم بالوتر (تكفي ركعة واحدة).

هذه صلاة ليل تامة صحيحة. ركعتان تُؤديان بصدق في الظلام ليستا جائزة عزاء. هما الشيء نفسه.

كيف تستيقظ له حقا

العقبة الحقيقية قلما تكون الصلاة. بل هي الاستيقاظ. وهنا تتبدد أكثر النوايا الحسنة بهدوء. وهنا يصنع قليل من التخطيط ما لا يصنعه كثير من العزم.

والأساس هنا هو الأساس نفسه الذي يبلغ بأي أحد صلاة الفجر في وقتها، النوم مبكرا، وعقد النية قبل أن تغمض عينيك، وسؤال الله سبحانه وتعالى مباشرة أن يوقظك، ومنبه لا تستطيع أن تحتال عليه. وقد بسطنا ذلك كله حق البسط في دليلنا كيف تستيقظ لصلاة الفجر. وبدلا من تكراره هنا، يجدر أن نضيف أمرين يخصان صلاة الليل بعينها:

  • فكّر في قيلولة قصيرة قبل ذلك إن سمح يومك. حتى يكون النوم الناقص أقل قسوة.
  • وجّه المنبه إلى ما قبل الفجر، لا إلى الفجر نفسه. فالتهجد يحتاج إلى فسحة تسبق الصلاة. لا إلى عجلة على حافتها. ومنبه الفجر الذي يمكن ضبطه لينطلق قبل الفجر بمدة محددة، مع ضمان ألا ينطلق بعد انغلاق الوقت، يترك متسعا لبضع ركعات وللسحور.

ثم المبدأ الأكثر تحريرا للنفس: ركعتان صادقتان تقدر على المواظبة عليهما خير بكثير من خطة طموحة تنهار بحلول الخميس. ينطلق أناس ليصلوا ثماني ركعات في الثلث الأخير من كل ليلة. فيوفّقون إليها مرتين. ثم ينهكون أنفسهم. فيتركون الأمر كله بهدوء. أما من يصلّي ركعتين مرتين في الأسبوع، ويواظب على ذلك عاما، فقد صلّى أكثر بكثير. وبنى شيئا حقيقيا. فاجعل صلاة ليلك صغيرة بما يكفي لتنجو من أسابيعك المتعبة.

التهجد من أحب صلوات النافلة. لكنه جزء من أسرة أوسع منها. فإن أحببت أن ترى موضعه بين بقيتها، فإن دليلنا إلى صلوات السنة والنفل يرسم لك الأخرى التي يجدر معرفتها.

الأسئلة الشائعة

ما وقت التهجد؟

أي وقت بعد أن تصلّي العشاء وقبل دخول الفجر. النافذة كلها صحيحة. لكن أبرك أجزائها الثلث الأخير من الليل، الساعات التي تسبق الفجر، لأجل الحديث الصحيح أن الله سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا حينئذ. فإن استطعت أن تستيقظ لذلك الثلث الأخير فاقصده. وإن لم تستطع، فأول الليل لا يزال معدودا.

كم ركعة التهجد؟

تُصلّى مثنى مثنى. دون حد أعلى واجب. فلك أن تصلّي ركعتين فقط. أو أن تمضي مثنى مثنى ما شئت. وتختم الليل عادة بوتر فردي. ولم يكن هدي النبي ﷺ الراتب يزيد على إحدى عشرة ركعة. وهو نمط جميل تنمو نحوه. لكنك لست مقصرا إن صلّيت أقل.

هل علي أن أنام أولا؟

لفظ التهجد يحمل معنى النهوض بعد النوم. فالصورة الكلاسيكية أن تنام ثم تستيقظ فتصلّي. لكن إن خشيت ألا تستيقظ، فإن صلاة بضع ركعات من قيام الليل قبل النوم صحيحة مأجور عليها. وتُعد من قيام الليل. فلا تدع تفصيلة «النوم أولا» تمنعك من الصلاة أصلا.

ماذا أقرأ في التهجد؟

ليس للصلاة الليلية سورة معينة. تقرأ الفاتحة. ثم ما شئت مما حفظت من القرآن. حتى السور القصيرة تجزئ تماما. وإطالة القراءة والقيام من السنة إن استطعت. والسجود موضع جميل للدعاء الشخصي بكلماتك. تسأل الله سبحانه وتعالى ما يثقل على قلبك.


صلاة الليل تطلب منك القليل وتعطي الكثير. لست محتاجا إلى خطة بطولية. ولا إلى سورة طويلة محفوظة. ولا إلى سجل لا ينقطع. يكفيك أن تستيقظ ليلة. فتعقد نية هادئة. فتصلّي ركعتين صادقتين في السكون. ابدأ من هناك. اجعلها صغيرة. اجعلها قابلة للدوام. ودع نفسك تعود إليها برفق. ليلة بعد ليلة. عالما أن الذي تقوم له يقظان. يسمع. وقريب.

التهجدصلاة الليلقيام الليلصلاة النافلةالنمو الروحي

تابع القراءة